|
سـرد > سقوط.. بحسن نية
كبح جماح سيارته عند محطة بترول في أول الطريقِ الصحراوي الهاديء،
السماء ذات زرقة وديعة، خالية إلا من طير يحلِّق على أنقاض المسافات،
يحلق هنا وهناك في أشكال دائرية على غير هدىً، فتح الباب لينزل شاب
نحيل البنية يرتدي بزة فارس، قميص أبيض، وبنطال ضيق بلون الرمل، وحذاء
عالي يصل حتى ركبته، كانت عنجهية الفروسية تبدو من حركاته والتفافاته
الرشيقة، رفع نظارتهُ الشمسية فبدت عينان واسعتان ناعستا النظرة،
تحملانِ في الوقت ذاته أثر الذكاء والاندفاع، في منتصف الطريق إليهن
أنفٌ دقيق جميل. دخل باستعلاء الفرسان إلى داخل المحطة ليخرج بعد قليل
ويركب سيارتهُ الذهبية ذات الدفع الرباعي.
كانت سيارته تلهب الشارع المعبد بالسياط، قطار حديدي بالغ السرعة يقطعُ
أفكاره، على نوافذ القطار صوُرها، تتكرر صورها على كل نوافذ القطار.
اعترف: حمتُ في سمائها سبعة أشعر حتى أوقعتها في الشرك. أحبّها. لا أستطيع تفسير هذا الجنون. ثم أختارَ أن يختصر الطريق باختراقِ الطريقِ
الرملي. انحرفَ بسرعة ليصعدَ كثيباً رملياً عالياً. أخذت سيارتهُ
تترنّح كما يترنح السكارى في أوجِ السكر حتى وصلَ إلى قمة صحراوية
عالية. حينها توقف وجلس على مقدمةِ السيارة. شربَ قنينة كوكا. رماها
فتحرجت إلى الأسفل. رفع راسهُ إلى السماءِ. سرب من الحمائم يقطع السماء
مهاجراً إلى بحار أخرى. إنه موسم الهجرة والبحث عن الدفء. إن السماء
قطعة فنية ساحرة لا إطار لها. هذه الطيور تجعلها لوحةً عبقرية. شربَ
قنينة أخرى ورمى بها إلى السماءِ. ليشتت أسراب الطيور. صعدت للأعلى ثم
هوت بجانبه على حصاة يابسة تنمو بجانبها أزهار بيضاء، تناثرت عليها
شظايا الزجاجة، وفي الأفق كانت مباني عظيمة المعمار تتضح للرائي.
دخل عبر بوابة، لافتة الحرم الجامعي تؤشر للطريق، مسجد يدوي منهُ صوتُ
القاريء في صلاةِ المغرب، "والحافظين لحدود الله .."، شباب وفتيات على
السلالم، أجساد تلتصق، عرق ، عطور، ضحكات، شياطين، همهمات، همسات،
أساتذة جامعيون يسيرون في الطرقات. دخل القاعة الفسيحة، خطى بحذائه
الطويل على الرخام البني الموشى بالأصفر. كانت تجلسُ أسفل السلم العريض
المؤدي إلى الطابق الأول من مبنى القبول والتسجيل. فتاة ذات شعر أشقر
تعلوهُ الحمرة. خدود وردية.
عينانِ واسعتانِ صافيتانِ. ملامح بريئة. اقتربَ منها، وبنظرة تعرف ما
تريد: " يجب أن تري خيولي الجديدة". رفضت " أبي سيكون أمام باب الجامعة
في الساعة ..". قطع جملتها الأخيرة قبل أن تكمل: "انتِ لا تثقينَ بي
ولا بنفسك.. هذه المرة الألف وأنتِ ترفضين!" ألح عليها.. غضب منها..
وهي تتزلزل أمام غضبه. خضعت لثورته: "نصف ساعة فقط، ثم خذني إلى السكن
الجامعي، سأدعي أني كنت مع صديقتي.."، "أحبكِ!" همس في أذنها وانطلق ..
أورقت أشجار الياسمين في قلبه، أصبحت سماواتهُ صافية، وشمسهُ حنونه،
ابتسم ابتسامة المنتصر وابتسم ابتسامة العاشق المدنف، هو فعلاً يحبها،
ويشتاق للحظةٍ تجمعهما معاً دونَ رقيب. تسللت إلى سيارتهِ، وعندما مرّا
بالقربِ من بوابة الجامعة هبطت أسفل المقعد لألا تُضبط، وعندما سلكت
السيارة طريق الصحراء، كانا يحلقان كطائرين حرين، لا سور ولا باب ولا
حارس.. كانَ قلبها يخفق من الخوف، لكنّ عاشقها سرقها من نفسها ومن
خوفها، وألصقها به..
بعد دقائق، كاناَ وسط غابة من الأشجار الكثيفة، تخفيهما عن كل شيء، سارَ
بها إلى مضمار الخيل، ركبَ وأردفها، ركضَ الفرس بسرعة جامحة، ألهبهُ
ضرباً بالسوط، أسرعَ بهما، زادهُ ضرباً، وزادَ سرعةً، تشبتثت به، ثم
جمح بهما ورمى بهما في هاوية.. جرحتها جرحاً غائراً.. لا يشفيهِ ترياق
الطبيب ولا تداويه وصفة الحكيم.. تلوثت
بالوحل.. انتفضت.. بكت .. دوت صرختها..
حينما غاص في وحل تلك اللحظة المجنونة، شعر بذنبه العظيم، تمتم..
استغفر الله.. استغفر الله.. سأل صديقه: "كيفَ أكفر عن ذنبي؟ " قال له:
"الطيبات للطيبين.. أما أنت وهي.. فقد لوثتكم لذة لحظة" .. سأل شيخ دين،
فأجاب: "تزوجها.. وإذا تزوجها غيرك يجب أن يعلم الحقيقة وإلا كانَ ذلك
غشاً وتدليساً.."
عاد إلى نفسه، فانتفخت بداخله عنجهية الفارس، سخر من ضعفه، ودارت في
ذهنه أفكار باهتة، "أحبها لكن.. كيفَ أتزوج
مثلها!؟" .. "أحبها لكن.. لن ترضى والدتي
بجنسيتها".. "أحبها لكني.. لازلتُ شابا
يافعاً.." .. "أنا رجل.. والرجل لا يعيبه شيء.." .. ارتاح لهذه الأفكار
الخبيثة.. وانطلق بسيارتهِ الفارهة..
أما هي.. فلم تجد كفاً تخرجها من المستنقع، حتى وإن خرجت فالمستنقع
الذي بداخلها لا يمكن الفرارُ منه أبداً..
بكت.. صرخت.. ثارت فيها الأعاصير.. لم تجد منفذاً إلا أن تعترف
لوالدتها.. ولم تجد والدتها منفذاً إلا أن تخفي الحقيقة بجراحةٍ بسيطة
وتغش خاطباً حسن النوايا..
|